أرميناك توكماجيان, ليث قرباع
{
"authors": [
"أرميناك توكماجيان"
],
"type": "commentary",
"blog": "ديوان",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace",
"مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط",
"programAffiliation": "",
"regions": [
"إيران",
"روسيا والقوقاز",
"الخليج",
"الولايات المتحدة",
"إسرائيل",
"أرمينيا",
"أذربيجان"
]
}المصدر: Getty
جنوب القوقاز والصراع الدائر في الخليج
يناقش سيرغي ميلكونيان، في مقابلة معه، سياسة التوازن الحذر التي تتّبعها أرمينيا وأذربيجان في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
سيرغي ميلكونيان باحث في معهد أبحاث السياسات التطبيقية في يريفان، أرمينيا. تركّز تحليلاته حول السياسة الخارجية الروسية، والتطوّرات في جنوب القوقاز والشرق الأوسط. أجرت "ديوان" مقابلة معه في منتصف آذار/مارس لمناقشة كيف تنظر منطقة جنوب القوقاز إلى الصراع الدائر راهنًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها الإقليميين من جهة أخرى، ولا سيما بعد تعرُّض إقليم نخجوان التابع لأذربيجان إلى هجومٍ بالطائرات المسيّرة.
أرميناك توكماجيان: كيف تعاملت أرمينيا وأذربيجان حتى الآن مع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، نظرًا إلى حاجتهما للحفاظ على علاقات جيّدة مع جارتهما الكبرى، وحرصهما في الوقت عينه على تجنّب استعداء واشنطن، وفي حالة باكو، مراعاة حليفتها الرئيسة إسرائيل؟
سيرغي ميلكونيان: لم يصدر عن أرمينيا أو أذربيجان إدانة رسمية للهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران. (خلال حرب الاثني عشر يومًا في حزيران/يونيو 2025، أدانت يريفان الغارات الإسرائيلية، فيما تبنّت باكو موقفًا أكثر تحفُّظًا وحذرًا، داعيةً الطرفَين إلى حلّ خلافاتهما عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية). مع ذلك، قدّم الرئيسان الأذري والأرمني تعازيهما على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي - حتى إن رئيس أذربيجان زار السفارة الإيرانية في باكو للتقدّم بالعزاء شخصيًا – وكانا من بين أوائل المهنّئين باختيار ابنه مجتبى مرشدًا جديدًا. يسلّط هذا التوازن الدقيق الضوء على الدور المتنامي للولايات المتحدة في جنوب القوقاز، حيث تسعى أرمينيا وأذربيجان إلى تعزيز علاقاتهما مع واشنطن، لكن بالتوازي مع حاجة هذَين البلدَين الصغيرَين إلى التوفيق بين طموحاتهما من جهة ومصالح جارتهما الكبرى إيران من جهة أخرى.
ترى يريفان أن علاقاتها المتنامية مع واشنطن تشكّل جزءًا من استراتيجيتها الرامية إلى تنويع صلاتها الخارجية، وتعتبر بشكلٍ متزايد أن التعاون مع الولايات المتحدة يمثّل ضمانةً أمنية لها بعد سنوات من الحرب مع أذربيجان، والضغوط المُمارَسة من باكو. في المقابل، لا تُعدّ إيران شريكًا مهمًا لأرمينيا فحسب، بل ساهمت طهران أيضًا في تعزيز موقف يريفان في وجه التفوّق الأذري. لكن الوضع أكثر تعقيدًا في حالة باكو، إذ تربطها علاقات استراتيجية قوية مع إسرائيل، إلى جانب مساعيها الرامية إلى توطيد التعاون مع الولايات المتحدة. ويشكّل هذان العامِلان مصدرًا للتوتّر مع إيران.
توكماجيان: لماذا تبدو إيران أكثر حذرًا في التعامل مع دول القوقاز المجاورة مقارنةً مع جيرانها الجنوبيين، وكيف تؤثّر علاقة أذربيجان الوثيقة مع إسرائيل على حسابات طهران؟
ميلكونيان: أحد الأسباب الرئيسة لهذا الحذر هو أن دول جنوب القوقاز لا تضمّ بنية تحتية عسكرية أميركية مماثلة، من حيث الحجم أو النوع، لتلك التي يستضيفها عددٌ من دول الخليج العربي، والتي استُخدم بعضها في الصراع الراهن، وفقًا لإيران. ونتيجةً لذلك، تحوّلت منشآتٌ عسكرية أميركية في الخليج إلى أهداف طبيعية لطهران. أما تركيا، وعلى الرغم من استضافتها بنية تحتية مشابهة، فلم تُستخدَم أراضيها، حتى الآن على الأقل، لشنّ هجمات ضدّ إيران. وعلى خلاف دول مجلس التعاون الخليجي، تتمتّع تركيا بقدرات عسكرية تتيح لها تنفيذ ردٍّ جدّي، كما يُعزّز وجود قنابل نووية أميركية على الأراضي التركية مستوى الردع بشكلٍ أكبر.
في جنوب القوقاز، تَمثّل أبرز التداعيات الأمنية للحرب في الهجوم بالطائرات المسيّرة على مطار نخجوان في أذريبجان، الأمر الذي ولّد تفسيراتٍ تنطوي على تناقض. فقد أشار علي لاريجارني، الذي كان يتولّى عند اغتياله منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني النافذ، إلى أن الهجوم هو محاولةٌ إسرائيلية لجرّ دول المنطقة إلى المعركة، فيما دعا المتحدّث باسم مقرّ خاتم الأنبياء أذربيجان إلى إنهاء "الوجود الصهيوني" على أراضيها تجنّبًا للتعرّض إلى مزيدٍ من الاضطرابات والمخاطر الأمنية. أما ردّ الرئيس الأذري إلهام علييف فكان حازمًا، إذ اتّهم إيران بشنّ هجومٍ إرهابي، ووضعَ الجيش في حالة تأهُّب.
الأمر المؤكّد هو أن جوهر التوتّر يكمن في العلاقة الاستراتيجية بين أذربيجان وإسرائيل، وهي علاقةٌ تنظر إليها إيران بعين الريبة، على الرغم من تطمينات باكو المتكرّرة بأنها ليست موّجهة ضدّ طهران. مع ذلك، لا يبدو أن هذه الأخيرة مستعدّة لزعزعة الاستقرار بشكلٍ أوسع على طول حدودها الشمالية.
توكماجيان: ما هي التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب على جنوب القوقاز، وما القوى التي ستكسب أو تخسر في ظلّ تعطُّل ممرّات التجارة، والخطوط الجوية، وتدفّقات الطاقة، أو تغيُّر مساراتها؟
ميلكونيان: لقد طالت اضطرابات سلاسل الإمداد بالفعل جنوب القوقاز. فعلى سبيل المثال، يمرّ ما يقرب من 20 في المئة من عمليات التصدير والاستيراد الأرمنية عبر الأراضي الإيرانية، وقد أُفيد عن حدوث بعض الاضطرابات من جرّاء الحرب. ولا تزال الروابط البرّية والجوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، التي تشكّل مراكز تجارية وجوية رئيسة لجنوب القوقاز، معطّلةً منذ بداية الصراع. أما في ما يتعلّق بأسعار الطاقة، فأرمينيا محميّةٌ من خلال عقد غاز طويل الأجل ينطوي على شروط تفضيلية مع روسيا، ومع ذلك، يُرجَّح أن ترتفع أسعار مشتقّات النفط. كذلك، تتعامل أرمينيا وإيران مع بعضهما البعض بموجب اتفاقية مقايضة "الغاز مقابل الكهرباء"، ولذا أيّ اضطرابات محتملة في إمدادات الغاز قد تؤثّر على عمل محطات الطاقة الحرارية في أرمينيا.
أما أذربيجان، فهي في وضعٍ آمن أكثر، إذ إن أقلّ من 10 في المئة من إجمالي حجم البضائع في البلاد يمرّ عبر إيران. وفي ما يتعلّق بالطاقة، لا تزال أذربيجان مكتفيةً ذاتيًا إلى حدٍّ كبير، لا بل استفادت من الأزمة بصفتها دولة مُنتِجة للنفط. فقد ارتفع سعر النفط الأذري إلى 119 دولارًا للبرميل منذ بداية الحرب، فيما كانت ميزانية الدولة في باكو لهذا العام قد توقّعت سعرًا قدره 65 دولارًا للبرميل واحتسبت الإيرادات على هذا الأساس. في غضون ذلك، حوّلت الاضطرابات التي لحقت بالروابط البرّية والجوية والبحرية منطقةَ جنوب القوقاز إلى أحد أهمّ مراكز النقل الجوي التي تربط بين أوروبا وآسيا. لكن على الرغم من هذه المكاسب قصيرة الأجل، لا يرحّب أيٌّ من دول جنوب القوقاز بعدم الاستقرار المُطوَّل.
فمن شأن الاضطرابات المديدة في إيران أن تؤثّر على مشاريع الربط الاقتصادي في جنوب القوقاز، سواء المسارات "العَمودية" التي تربط أوروبا وروسيا بالخليج، وصولًا إلى آسيا عبر جنوب القوقاز وإيران، أم المسارات "الأفقية" التي تصل أوروبا بآسيا الوسطى عبر القوقاز. لكن الممرّ المُعرَّض للمخاطر بوجهٍ خاص هو ممرّ النقل الدولي بين الشمال والجنوب، الذي يربط حاليًا روسيا بالخليج عبر طرق عدّة. الواقع أن طهران وموسكو سعَتا إلى تطوير هذا الممرّ ليكون قوةً مُوازِنةً للبدائل الشرقية الغربية التي تحاول تجاوز هاتَين الدولتَين، إلا أنّ حربًا وحالة عدم استقرار مُطوَّلتَين في إيران قد تضعان جدواه في موضع شكّ، أو على الأقلّ تؤخّران تقدّمه. وقد يؤدّي ذلك إل تسريع جهود طهران لتطوير المسارات الأفقية، بالرغم من التحدّيات المستمرة، مثل الحاجة إلى بناء البنية التحتية، واستمرار إغلاق الحدود بين أرمينيا وأذربيجان، وبين أرمينيا وتركيا.
توكماجيان: ما المكاسب التي يمكن أن تجنيها روسيا من التصعيد في الشرق الأوسط، وبأيّ طرقٍ يمكن أن ينقلب الصراع في نهاية المطاف على مصالح موسكو؟
ميلكونيان: لقد استفادت روسيا بالفعل من الوضع، وقد تستمر في الاستفادة منه على المدى القصير. فبادئ ذي بدء، تَحوَّل الاهتمام العالمي جزئيًا من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط. ناهيك عن ذلك، من المُرجَّح أن تُمنَح الأولوية في توزيع الأسلحة الأميركية المُنتَجة حديثًا إلى إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة العرب بدلًا من أوكرانيا. ثم إن ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة الطلب على إمدادات الطاقة الروسية، في ظلّ التوتّرات المحيطة بمضيق هرمز، كانا مفيدَين جدًّا لموسكو.
مع ذلك، قد يهدّد الصراع على المدى الطويل عددًا من المشاريع الاستراتيجية الروسية، بما في ذلك بناء محطات للطاقة النووية في إيران، ناهيك عن مبادرات استخراج النفط والغاز هناك. هذه المشاريع ليست فقط أدواتٍ لترسيخ الحضور الاقتصادي الروسي في المنطقة، بل هي أيضًا آليات لتعزيز قدرات الدول الساعية إلى تحقيق قدرٍ أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية عن الهيمنة الغربية. يذكّرنا هذا الوضع إلى حدٍّ ما بخسائر روسيا في ليبيا عقب اندلاع الحرب هناك، حين تعثّر مشروعٌ ضخم للسكك الحديدية، وأُلغيَت مشاريع عدّة في مجال النفط والغاز. لكن مقارنةً مع ليبيا، تتّسم إيران بأهمية استراتيجية أكبر بكثير لروسيا في سياق تنامي أصوات "الأغلبية العالمية" أو "الجنوب العالمي". ولذا، من شأن إضعاف إيران المناهضة للولايات المتحدة أو انهيارها أن يعزّز النفوذ الأميركي في مختلف أنحاء أوراسيا، وهو ما يتعارض مع مصالح روسيا على المدى الطويل.
توكماجيان: ما هي التداعيات قصيرة الأمد لانهيارٍ محتملٍ للنظام الإيراني على جنوب القوقاز؟
ميلكونيان: إن أسوأ سيناريو ممكن لجنوب القوقاز هو سقوط النظام الإيراني، وما قد يتبعه من عدم استقرار أمني داخلي وأزمة إنسانية. فمن المرجّح بدايةً أن يتسبّب ذلك بأزمة لجوءٍ كبرى، ولا سيما أن أرمينيا وأذربيجان تعانيان أصلًا من تحدّي النزوح المزمن. فحرب ناغورنو كاراباخ الأولى في تسعينيات القرن الماضي أسفرت عن نزوح حوالى 800 ألف أذري، لا يزال معظمهم في وضعٍ غير مستقرّ، إضافةً إلى 300 ألف أرمني. وعقب سيطرة أذربيجان على ناغورنو كاراباخ في العام 2023، استقبلت أرمينيا، التي لا يتجاوز عدد سكانها 3 ملايين نسمة، ما يقرب من 115 ألف لاجئ أرمني، بعد أن كانت استضافت سابقًا نحو 22 ألف لاجئ خلال حرب ناغورنو كاراباخ الثانية وبعدها. وهكذا، من شأن تدفّق موجةٍ كبيرة من اللاجئين الإيرانيين أن تسبّب ضغطًا إداريًا ولوجستيًا وإنسانيًا هائلًا، ولا سيما في المناطق الجنوبية من البلدَين.
إذا أدّى انهيار النظام في إيران إلى حالة من التفكّك، فسيطرح ذلك مجموعةً إضافيةً من التحدّيات، خصوصًا لأرمينيا وأذربيجان. على الصعيد الاقتصادي، قد يتسبّب ذلك بتعطيل روابط التجارة والتواصل المتنامية بين إيران ودول جنوب القوقاز الثلاث، أرمينيا وجورجيا وأذربيجان. فالحركة التجارية بين إيران والمنطقة تضاعفت منذ العام 2020. وإذا ما أدّى التفكّك إلى قيام حركات انفصالية داخل إيران، فمن المُحتمَل أن تصبح أذربيجان منخرطةً أيضًا، نظرًا إلى ارتباطها الإثني بنحو 20 مليون إيراني أذري، قد يتطلّع بعضهم إلى باكو طلبًا للدعم. ومثل هذه الاضطرابات قد تعرّض للخطر ما يقرب من 150 ألف إيراني أرمني. عمومًا، ومع أن يريفان وباكو قد ترحّبان بإرساء حضورٍ غربي أقوى في المنطقة، من الواضح أن الانهيار الكامل للنظام الإيراني وعدم الاستقرار طويل الأمد لا يصبّان في مصلحتهما.
عن المؤلف
باحث غير مقيم، مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
أرميناك توكماجيان باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث تتركّز أبحاثه على قضايا الحدود والصراع، واللاجئين السوريين، والوسطاء المحليين في سورية.
- حين تُمطر السماء حجارةً: بدو دير الكهف وتداعيات تغيّر المناخمقالة
- الأنظار كلّها شاخصةٌ إلى جنوب سوريةتعليق
أرميناك توكماجيان
الأعمال الحديثة
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
المزيد من أعمال ديوان
- أهداف طهران السهلةتعليق
يناقش أندرو ليبير، في مقابلة معه، تأثير حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران على دول الخليج العربي.
مايكل يونغ
- سورية تنأى بنفسها عن الحرب الإيرانيةتعليق
يشرح خضر خضّور، في مقابلةٍ معه، أن دمشق تحاول تعزيز حماية حدودها، لكن نجاحها في تجنّب الصراع ليس مضمونًا.
مايكل يونغ
- واشنطن في مواجهة طهران: مخاطر كبيرة ومكاسب محدودةتعليق
يتناول حسن منيمنة، في مقابلةٍ معه، الصراع الدائر راهنًا وما يرافقه من سوء تقدير.
مايكل يونغ
- حروب إسرائيل الأبديةتعليق
لم تَعُد استراتيجية الدولة العبرية تتركّز على الردع والدبلوماسية، بل باتت تتمحور حول الهيمنة والاستنزاف.
ناثان ج. براون
- تمديدٌ تحت النارتعليق
قد يبدو قرار مجلس النواب اللبناني استثنائيًا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع ليس كذلك.
عصام القيسي