تستضيف مؤسسة كارنيغي السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي في حوارٍ لمناقشة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، محذرًا من أن الحرب على إيران خطأ استراتيجي سيدفع المنطقة والعالم نحو مزيدٍ من التصعيد.
أنجي عمر
{
"authors": [
"ميليا اسبر"
],
"type": "commentary",
"blog": "صدى",
"centerAffiliationAll": "",
"centers": [
"Carnegie Endowment for International Peace"
],
"englishNewsletterAll": "",
"nonEnglishNewsletterAll": "",
"primaryCenter": "Carnegie Endowment for International Peace",
"programAffiliation": "",
"programs": [],
"regions": [
"الشرق الأوسط",
"سورية"
],
"topics": [
"الطاقة والمناخ"
]
}المصدر: OMAR HAJ KADOUR/AFP via Getty Images
لم يعد الجفاف في سوريا أزمة موسمية عابرة. هذا التقرير يوضح كيف يفاقم تغيّر المناخ ندرة المياه ويهدد الزراعة والأمن الغذائي، وما الحلول المطروحة لتفادي الأسوأ.
تصدّر الجفاف في سوريا خلال موسمي 2024-2025 واجهة المخاوف اليومية للسوريين، بعدما تحوّل من ظاهرة مناخية متكررة إلى أزمة تهدد أسس الحياة في البلاد. فقد أدى الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، وتراجع الهطولات المطرية والثلجية، إلى انخفاض خطير في الموارد المائية، انعكس مباشرةً على الزراعة، والثروة الحيوانية، وتوفر مياه الشرب. وبينما وصلت بعض السدود إلى نسبة تخزين صفرية في محافظات مثل درعا ودير الزور وشهدت سوريا مشاهد غير مسبوقة كجفاف نهر العاصي، ما يطرح مؤشرات مقلقة حول مستقبل الأمن المائي في البلاد.
لكن السؤال الذي يغفله الوصف التقليدي لهذه الأزمة هو: هل ما يحدث في سوريا مجرد "تراجع مطري" أم أننا أمام إعادة تشكيل كاملة للعلاقة بين المناخ والموارد والأمن الغذائي؟
وتكشف البيانات أن الأزمة ليست طارئة أو موسمية، بل تراكمٌ ممتدّ لسنوات؛ إذ أدى تكرار ثلاث موجات رئيسية من الجفاف بين عامي 2006 و2021 إلى فقدان نحو 60% من مستويات المياه الجوفية في مناطق الشمال الشرقي، بالتزامن مع توسع رقعة التصحر لتطال قرابة 73% من مساحة سوريا.1 وفي ظل تراجع الغطاء النباتي وازدياد الحرائق، باتت البلاد أمام مسار بيئي واقتصادي قد يعيد تشكيل أنماط الإنتاج الزراعي والسكاني ويزيد من هشاشة المجتمعات الريفية.
وهنا يصبح الجفاف ليس مجرد حدث مناخي، بل نقطة تقاطع بين ثلاث مسارات متداخلة: المناخ، واستنزاف الموارد، وضعف القدرة المؤسسية على الإدارة.
يناقش هذا المقال كيف انعكس تغير المناخ على سوريا عبر سلسلة مترابطة من التأثيرات تبدأ بتراجع معدلات الأمطار واختلال توزيعها الزماني والمكاني، ثم ينتقل إلى تدهور مخزون السدود وتراجع المياه الجوفية، وما يرافق ذلك من اضطراب في القطاع الزراعي، خصوصاً في إنتاج القمح بوصفه محصولاً استراتيجياً للأمن الغذائي. كما يتناول المقال تصاعد الحرائق وتراجع الغطاء الحرجي، واتساع ظاهرة التصحر في مناطق واسعة من البلاد، وتأثير ذلك على التربة والمراعي والإنتاج الحيواني، ثم يتناول المقال آثر ذلك كله على الأمن الإنساني في سوريا.
بدلاً من التعامل مع هذه العناصر كقائمة من "الآثار المناخية"، يقدّم هذا المقال قراءة تحليلية تربط بينها كمنظومة واحدة تُعيد إنتاج الأزمة نفسها: نقص المياه يؤدي إلى تدهور التربة، وتدهور التربة يقلل الإنتاج، وانخفاض الإنتاج يضاعف الضغط على الموارد المتبقية.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة البيئية عن سياقها السياسي والاجتماعي، إذ ساهمت سنوات الحرب منذ 2011 في إنهاك البنية التحتية للمياه والزراعة، وتعقيد قدرة الدولة على الاستجابة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى حلول مستدامة وإدارة أكثر كفاءة للموارد. ومن هنا، يسلّط المقال الضوء أيضاً على دور المؤسسات السورية والمنظمات الدولية المعنية في مواجهة الأزمة، وعلى مدى كفاية السياسات الحالية لمنع تحول سوريا تدريجياً من دولة كانت قادرة على تحقيق مستويات من الاكتفاء الذاتي إلى بلدٍ أكثر اعتماداً على الاستيراد، وأقل قدرة على تأمين أمنه الغذائي والمائي.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الأزمة السورية الحالية كمجموعة "تداعيات مناخية"، بل كتحول بنيوي في علاقة الدولة بالموارد الطبيعية.
أوضح حسان جردي،2 المتنبئ الجوي في الهيئة العامة للأرصاد الجويّة السوريّة، في لقاءٍ لمجلة صدى أن تغيرَ مناخِ سوريا لعب دوراً اساسياً في تغير نمط الهطول المطري من حيث التوزيع الزماني والمكاني وكمية تساقط الأمطار واتساع المساحات الجافة وندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة، ويُعدّ موسم 2024-2025 الأسوأ خلال السنوات الأخيرة، خاصةً مع تراجع معدلات الهطول المطري عن المعدل السنوي بحدود 60%.
لكن الأهمية التحليلية هنا لا تكمن في حجم التراجع فقط، بل في تحوّل "النمط المناخي" نفسه، حيث لم تعد الأمطار تحدث ضمن دورة موسمية مستقرة يمكن التنبؤ بها، بل ضمن نمط متقطع وغير منتظم.
وأضاف حسان أن تغير نمط تساقط الأمطار وتراجع عدد المنخفضات الشتوية (قطبية المنشأ) وزيادة الفترات الانتقالية بين الفصول هو الأخطر، مع الأخذ بعين الاعتبار كمية الهطول ومدته وتوزعه خلال الموسم المطري، مؤكداً أن الهطول الغزير خلال فترة زمنية قصيرة يُعد من أسوء الأنواع.
وهنا يتحول المطر من "مصدر دعم للنظام البيئي" إلى عامل ضغط إضافي، لأن اختلال التوزيع الزمني للهطول يعني أن الأرض لم تعد تمتلك القدرة على الاستيعاب التدريجي للمياه، بل تتعرض لدفعات مفاجئة تؤدي إلى فقدانها بدل تخزينها.
ويترك ذلك أثاراً جانبية تكمن في تآكل التربة السطحية وانجرافها، وفقدان خصوبتها، وزيادة حدوث الفيضانات والسيول، وانتشار الأمراض في التربة واختناق الجذور بسبب تشبع التربة بالماء إضافةً إلى زيادة معدل تلوث المياه الجوفية رجوعاً لنقل الملوثات من سطح التربة إلى باطن الأرض.
وأشار الجردي إلى أن الغطاء الثلجي في جبال الحرمون يشهد تراجعاً بنسبة 0.7% سنوياً،3 وأن عدم هطول الثلج بشكل كافٍ يزيد الضغط على مخزون المياه الجوفية، التي تُعد الشريان المغذي لحوض دمشق واليرموك.
أشار أحمد كوان،4 مدير الهيئة العامة للموارد المائية السورية، في تصريح خاص لموقع صدى أن التغيرات المناخية وقلة تساقط الأمطار والثلوج انعكست سلباً على مخازن بحيرات السدود في كافة المحافظات لا سيما الجنوبية منها، فقد تأثرت مخازن السدود والتي يبلغ إجمالها في سوريا 164 سداً، منها 161 سداً تابعاً للهيئة العامة للموارد المائية وبطاقة تصميمية بلغت حوالي 2.9 مليار متر مكعب.
لكن ما تكشفه هذه الأرقام ليس مجرد انخفاض في التخزين، بل اختلال في وظيفة السدود نفسها، إذ لم تعد تعمل كأداة لإدارة الفائض الموسمي، بل كمؤشر على العجز المزمن في إعادة تغذية النظام المائي.
وأشار كوان إلى أن نسب التخزين وصلت إلى مستويات متدنية، أبرزها: دمشق 1%، درعا 0%، السويداء 13%، القنيطرة 4%، حمص 20%، حماة 10%، إدلب 2%، حلب 37%، الحسكة 10%، الرقة 0%، دير الزور 0%، طرطوس 27%، اللاذقية 32%.
وتكشف هذه التفاوتات أن الأزمة لم تعد موحدة في شدتها فقط، بل أصبحت تعكس إعادة توزيع غير متكافئ للندرة، حيث تتحول بعض المناطق إلى بؤر عجز شبه كامل، بينما تبقى أخرى في حالة استنزاف متدرج.
كما كشف كوان أن القطاع الزراعي يعد المستهلك الأكبر للمياه، إذ تشير المعطيات إلى أنه يستخدم نحو 88% من الموارد المائية، مقارنة بـ 9% لمياه الشرب و3% للقطاعات الأخرى كالصناعة والسياحة ما يعني أن أي اختلال في المياه سينعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي، ما يجعل الزراعة في قلب الأزمة.
وذكر أحمد درويش، المدير العام للمؤسسة العامة للمياه في سوريا،5 أن سوريا قد تدخل في أزمة مياه خانقة إذا استمرت معدلات الأمطار بالانخفاض، مشيراً إلى وجود خطة استراتيجية لدى مؤسسة المياه، بالتنسيق مع وزارة الطاقة، لاستجرار المياه من مصادر أكثر استدامة. وأضاف أن من بين المشاريع قيد الدراسة مشروع استجرار المياه من الساحل السوري وتحلية مياه البحر، باعتباره خياراً مطروحاً لمواجهة تراجع الموارد التقليدية.
وأوضح درويش أن لدى المؤسسة مشروعاً استراتيجياً بعيد المدى يحتاج إلى خمس سنوات لتنفيذه، وتزيد كلفته على خمس مليارات دولار، مؤكداً أن هذا المشروع يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، ما يفرض البحث عن مصادر بديلة يمكن أن تعوض النقص.
وأضاف أن احتياج مدينة دمشق وريفها من مياه الشرب يبلغ نحو مليون متر مكعب، إلا أن المؤسسة لا تستطيع حالياً تأمين أكثر من 60% من هذا الاحتياج، الأمر الذي يترك تأثيرات كبيرة على سكان العاصمة. وأشار إلى أن المؤسسة تواجه مشكلتين أساسيتين؛ أولاهما تغير المناخ وما نتج عنه من انخفاض في مناسيب المياه، وثانيتهما خروج عدد كبير من مصادر المياه عن الخدمة خلال سنوات الحرب.
كما لفت إلى أن المؤسسة تعاني أيضاً من تهالك المعدات وانتهاء العمر الافتراضي للمضخات والمولدات ولوحات التحكم، موضحاً أنه تم إدخال 450 مضخة إلى الخدمة خلال الفترة الأخيرة. وأكد درويش أن أزمة المياه لا تقتصر على دمشق وريفها، بل تطال البلاد بأكملها، إذ أثّر التغير المناخي على مختلف المحافظات، بما في ذلك حمص وحماة.
وبيّن درويش أن عدد المشتركين في المؤسسة يبلغ نحو مليون و200 ألف مشترك، مشيراً إلى أن توفير كل مشترك لتراً واحداً من المياه يومياً يمكن أن يحقق وفراً يصل إلى 1.2 مليون لتر يومياً، وهو إجراء بسيط لا يشكل عبئاً على الأسر، لكنه قد يساهم في ضمان وصول المياه إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين.
أوضح مدير بحوث تصنيف التربة في الهيئة العامة للاستشعار عن بعد، الدكتور يونس إدريس، في مقابلةٍ معه6 أن المناطق الشمالية والشرقية من سوريا سجلت انخفاضاً في معدلات الهطول المطري بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالمتوسطات التاريخية خلال العقدين الأخيرين، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة بمعدل 1.5 درجة مئوية منذ مطلع الألفية. وقد أدى ذلك إلى تقليص فترة المواسم الزراعية المناسبة بنسبة تتراوح بين 20 و30% في حوض الفرات، نتيجة اضطراب أنماط الأمطار.
لكن الأهمية التحليلية هنا لا تكمن في "انخفاض الأمطار" بحد ذاته، بل في تأثيره التراكمي على دورة الإنتاج الزراعي، حيث لم تعد المشكلة في كمية المياه فقط، بل في اختصار الموسم الزراعي نفسه، ما يعني عملياً تقليص قدرة الأرض على الإنتاج.
وأضاف أن الشمال الشرقي يعاني أيضاً من تراجع في مستويات المياه الجوفية بنسبة 60% نتيجة ثلاث موجات جفاف رئيسية بين عامي 2006 و2021، إلى جانب جفاف نحو 50% من الآبار التقليدية في ريفي حلب والحسكة. كما فقدت الغابات نحو 20% من مساحتها بفعل الحرائق، وانخفضت نسبة الغطاء الحرجي من 3.5% إلى 2.7% من مساحة البلاد، في حين توسعت المناطق الصحراوية بنسبة 30% منذ عام 2000 لتغطي نحو 80% من الأراضي السورية.
وهنا لا يظهر التصحر كمجرد "توسع صحراوي"، بل كتحول في طبيعة الجغرافيا الزراعية نفسها، حيث تتقلص المساحات القابلة للإنتاج بشكل تدريجي لصالح منظومة بيئية أكثر جفافاً.
وأشار إدريس إلى أن هذه التحولات أدت أيضاً إلى خروج نحو 400 ألف هكتار من الأراضي الزراعية من الإنتاج، وتراجع الإنتاج الزراعي بنحو 40% في مناطق دير الزور والرقة، إضافة إلى نزوح ما لا يقل عن مليوني شخص من الريف إلى المدن.
يضيف إدريس أن التغيرات المناخية أدت إلى تدهور ملحوظ في التربة الزراعية في سوريا، حيث ارتفعت نسبة ملوحة التربة بنحو 25% في المناطق المروية، في حين تراجعت مستويات المادة العضوية، ما أدى إلى انخفاض خصوبتها بشكل واضح، ونتيجة لذلك، اتجه العديد من المزارعين إلى زراعة محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، مثل الشعير بدلاً من القمح، وهو ما ترافق مع تراجع في الإنتاجية بنحو ٣٠٪.
وحذر إدريس من أن استمرار الاتجاهات الحالية قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بمقدار درجتين مئويتين إضافيتين بحلول عام 2050، وهو ما قد يفضي إلى فقدان نصف الأراضي الزراعية المتبقية. وأضاف أن هذه التحديات تتفاقم في ظل محدودية التمويل المخصص للتكيف مع التغير المناخي، والذي لا يتجاوز 1% من الميزانية الوطنية، إلى جانب استمرار تدهور البنية التحتية للمياه والزراعة نتيجة آثار الحرب.
من جانبه، أشار المدير العام للمركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة "أكساد"، الدكتور نصر الدين العبيد، في حواره مع "صدى"،7 إلى أن واقع التصحر في سوريا يتسم بالخطورة والتسارع، موضحاً أن سوريا تُعد من أكثر الدول العربية عرضة للتصحر بسبب طبيعة مناخها الجاف وشبه الجاف. وأضاف أن هذه المشكلة تفاقمت خلال السنوات الأخيرة نتيجة استمرار موجات الحرّ المتكررة، والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية، بما يشمل المياه والتربة والغطاء النباتي، لافتاً إلى أن نسبة الأراضي المتأثرة بالتصحر في سوريا تتراوح حالياً بين ٥٥ و٦٠ ٪.
لكن التصحر في الحالة السورية لا يمثل مجرد "تدهور طبيعي" في الأراضي، بل يتحول إلى مؤشر على خلل بنيوي طويل الأمد، لأن فقدان الأرض لخصوبتها وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه يعني عملياً تقليص المساحة القابلة للحياة الاقتصادية، وهو ما ينعكس على أنماط الاستقرار السكاني والإنتاج الزراعي معاً.
وأوضح د. العبيد أن وتيرة التصحر شهدت تصاعداً واضحاً خلال العقود الماضية، إذ بلغت نسبة الأراضي المتصحرة نحو 35% من مساحة سوريا في عام 2000، في حين ارتفعت هذه النسبة بحلول عام 2023 إلى ما بين 55 و60%، أي بزيادة تتراوح بين 57 و70% خلال 23 عاماً، مع تسارع ملحوظ بعد عام 2011، حيث سجلت زيادة إضافية تتراوح بين 15 و20% خلال 12 عاماً فقط.
وأضاف العبيد أن المساحة الكلية لسوريا تبلغ نحو 185,180 كيلومتراً مربعاً، مشيراً إلى أن توزيع الأراضي المتأثرة بالتصحر، وفق تصنيف "أكساد" و"الفاو"، يوضح حجم التحول الذي شهدته البلاد. فهناك نحو 35,000 كيلومتر مربع من الأراضي المتصحرة بالكامل (ما يعادل 19% من مساحة البلاد)، ونحو 65,000 كيلومتر مربع من الأراضي المعرضة بشدة للتصحر (35%)، إضافة إلى 35,000 كيلومتر مربع من الأراضي المعرضة للتصحر (19%). وبذلك يصل إجمالي الأراضي المتأثرة بالتصحر إلى نحو 135,000 كيلومتر مربع، أي ما يقارب 73% من مساحة سوريا.
وأشار د. العبيد إلى أن التقارير الرسمية غالباً ما تعتمد الرقم التحفظي البالغ 55%، والذي يشمل فقط المناطق التي دخلت فعلياً في مرحلة التصحر المتقدم، إلا أنه أكد أنه وفق المعطيات العلمية الأوسع يمكن القول إن نحو 60% من مساحة البلاد باتت متأثرة بشكل مباشر أو غير مباشر بظاهرة التصحر.
وأوضح العبيد أن تزايد مخاطر التصحر في سوريا يعود إلى استمرار العوامل المؤدية إليه، وهو ما انعكس سلباً على الأمن الغذائي، وقلل من الموارد المائية، وأدى إلى تدهور التربة والغطاء النباتي.
فعلى صعيد الأمن الغذائي، يؤدي تدهور الأراضي إلى انخفاض إنتاجية المحاصيل والمراعي، ما يهدد سبل عيش المزارعين والرعاة، ويقلل حجم الإنتاج المحلي من الغذاء، الأمر الذي يرفع الاعتماد على الاستيراد ويجعل الأمن الغذائي السوري أكثر هشاشة أمام تقلبات الأسواق الدولية. أما على صعيد الموارد المائية، فإن التصحر يضاعف الضغط على مصادر المياه نتيجة زيادة الحاجة للري في ظروف أكثر جفافاً، في الوقت الذي تتراجع فيه قدرة الأرض على تخزين المياه أصلاً. وفيما يتعلق بالتربة، يؤدي التصحر إلى تعريتها بفعل الرياح والأمطار، وفقدان طبقتها السطحية الخصبة، إضافة إلى ارتفاع ملوحتها، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية الزراعية. وعلى مستوى الغطاء النباتي، يؤدي التصحر إلى تناقص التنوع البيولوجي واختفاء أنواع نباتية محلية مهمة، فضلاً عن زحف الرمال نحو الأراضي الزراعية والرعوية والمناطق السكنية، بما يحوّل التصحر من مشكلة بيئية إلى تهديد اقتصادي واجتماعي.
تشير التقديرات إلى أن سوريا تواجه عجزاً غذائياً يقدر بنحو 2.7 مليون طن من القمح8 خلال العام الجاري، في ظل التغيرات المناخية القاسية التي شهدها موسم 2024-2025. وقد أدت قلة الهطول المطري وتوزعه غير المنتظم إلى خسارة واسعة في المحاصيل البعلية، وعلى رأسها القمح البعلي بوصفه محصولاً استراتيجياً للأمن الغذائي، إلى جانب تراجع الإنتاج المروي إلى النصف. كما تسبب اتساع رقعة الجفاف في تقليص المراعي الطبيعية، ما انعكس سلباً على الثروة الحيوانية، خصوصاً في مناطق البادية.
لكن خطورة هذه المؤشرات لا تكمن في رقم العجز وحده، بل في دلالته السياسية والاقتصادية: فالقمح في سوريا ليس مجرد محصول، بل عنصر من عناصر الاستقرار الاجتماعي، وأداة من أدوات "الأمن الوطني" في بلد لطالما ارتبطت شرعية الدولة فيه بقدرتها على توفير الخبز بأسعار مقبولة.
وقال الدكتور منهل الزعبي، مدير إدارة بحوث الموارد الطبيعية في وزارة الزراعة السورية، في مقابلةٍ لصدى، إن منظمة الفاو تتوقع هذا العجز نتيجة تراجع الإنتاج المحلي، موضحاً أن هذه الكمية من القمح كانت تكفي لإطعام نحو 16.3 مليون شخص لمدة عام كامل، ما يعكس حجم التهديد الذي يواجه الأمن الغذائي في البلاد.
وبذلك يتحول تراجع الإنتاج من أزمة زراعية إلى أزمة معيشية مباشرة، لأن الاعتماد المتزايد على الاستيراد في ظل هشاشة الاقتصاد السوري وارتفاع تكاليف النقل والتأمين يجعل الغذاء أكثر عرضة للتقلبات الدولية، لا سيما في أوقات الأزمات والصراعات.
وأضاف أن إنتاج القمح في سوريا تراجع بنسبة 20% خلال العقود الثلاثة الماضية، فيما انخفض إنتاج الزيتون في المنطقة الساحلية بنسبة 50% خلال العقدين الأخيرين، نتيجة تكرار موجات الجفاف وتراجع الأمطار، وأشار الزعبي إلى أن الجفاف ساهم أيضاً في زيادة حرائق الغابات، حيث سجلت سوريا هذا العام واحدة من أوسع موجات الحرائق في تاريخها، ما أدى إلى تراجع مخزون الكربون والتنوع الحيوي.
كما أوضح أن نسبة تدهور الأراضي ارتفعت لتصل إلى 30.09% من مساحة البلاد، في حين بلغت نسبة الأراضي المتأثرة بالملوحة في دير الزور 26.6%. وأضاف أن مخزون الكربون العضوي في التربة تراجع بشكل ملحوظ، في ظل استمرار الجفاف والتغيرات المناخية.
وهنا يصبح تدهور التربة مؤشراً مركزياً على عمق الأزمة، لأن تراجع خصوبتها لا يعني فقط انخفاض الإنتاج في موسم واحد، بل يعني أن قدرة الأرض على الاستمرار في الإنتاج تتآكل تدريجياً، وهو ما يضع سوريا أمام خطر فقدان طويل الأمد لقاعدتها الزراعية الأساسية.
رغم أن تراجع إنتاج القمح يظل المؤشر الأكثر وضوحاً على تهديد الأمن الغذائي، فإن آثار تغير المناخ في سوريا تتجاوز الغذاء لتطال مفهوم الأمن الإنساني بشكل أوسع، حيث تصبح المياه والصحة والاستقرار السكاني جزءاً من معادلة الجفاف نفسها.
فمع تراجع الهطولات وتدهور السدود والمياه الجوفية، لم تعد أزمة المياه في سوريا مرتبطة فقط بريّ الأراضي الزراعية، بل امتدت إلى مياه الشرب، خاصة في المدن الكبرى التي تعتمد على أحواض مائية محدودة. وفي هذا السياق، يتحول النقص المائي إلى ضغط يومي على الأسر، وإلى عامل يفاقم التفاوت بين المناطق، حيث تزداد معاناة المجتمعات الأضعف التي تفتقر إلى بدائل آمنة أو شبكات مستقرة.
كما أن تراجع كميات المياه المتاحة لا يؤدي فقط إلى انقطاعها، بل ينعكس على نوعيتها أيضاً، إذ تتزايد مخاطر التلوث والملوحة، ما يفتح الباب أمام تحديات صحية متصاعدة. فحين يصبح الوصول إلى مياه نظيفة غير مضمون، تصبح الصحة العامة عرضة لتهديدات غير مرئية لكنها واسعة التأثير، خاصة في المناطق التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات والبنية التحتية.
ومن جهة أخرى، فإن الجفاف المتكرر وتدهور التربة وتراجع المراعي لا يهدد الإنتاج فقط، بل يضرب سبل العيش في الريف. فالمزارع الذي يخسر موسماً بعد موسم، أو الراعي الذي لم يعد يجد ما يكفي من مراعي طبيعية، لا يواجه مجرد خسارة اقتصادية، بل فقداناً تدريجياً لإمكانية الاستمرار في المكان ذاته.
وهنا تتقاطع الأزمة المناخية مع التحولات السكانية، حيث يصبح النزوح الداخلي امتداداً منطقياً للتدهور البيئي. فالانتقال من الريف إلى المدن لم يعد مرتبطاً بالحرب وحدها، بل بات مرتبطاً أيضاً بتراجع القدرة على الزراعة والرعي، ما يعني أن المناخ أصبح عاملاً إضافياً يعمّق أزمة النزوح ويزيد الضغط على المدن والبنية الخدمية.
في ضوء المعطيات الواردة في هذا المقال، يتضح أن التغيرات المناخية التي تشهدها سوريا لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل باتت عاملاً بنيوياً يسرّع تدهور الموارد الطبيعية ويعمّق هشاشة القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها المياه والزراعة. فاستمرار ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الهطولات المطرية والثلجية لم يؤدِّ فقط إلى انخفاض مخزون السدود والمياه الجوفية، بل ساهم أيضاً في اختلال دورة تجدد الموارد، ما يجعل الأزمة أكثر تعقيداً واستدامة.
مواجهة الأزمة المناخية في سوريا تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة للتكيف المناخي، تقوم على حزمة مترابطة من الإجراءات، تبدأ بتوسيع مشاريع حصاد المياه عبر إنشاء السدود والسدّات والخزانات، ورفع كفاءة استخدام الموارد المائية، خصوصاً في الزراعة، إلى جانب تشديد تطبيق التشريعات للحد من الاستهلاك الجائر. كما تشمل تسريع التحول إلى أنظمة الري الحديث، وتوسيع إعادة استخدام مياه الصرف الصحي والصناعي بعد معالجتها، بما يخفف الضغط على الموارد التقليدية.
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية إدارة التحديات المرتبطة بالتصحر من خلال إنشاء خزانات وسدود صغيرة لتجميع مياه الأمطار، وتوسيع مشاريع التشجير باستخدام أنواع مقاومة للجفاف، واعتماد الزراعة الحافظة كخيار أكثر استدامة. كما تبرز ضرورة دعم البحث العلمي الزراعي، وتوفير بذور مقاومة للجفاف، وتطوير احتياطي استراتيجي من المحاصيل الأساسية، بالتوازي مع تعزيز التعاون الإقليمي في إدارة الموارد المائية المشتركة، ولا سيما حوض نهر الفرات.
وتُظهر تجارب المؤسسات البحثية والزراعية، وفي مقدمتها "أكساد"، أن الحلول التقنية والزراعية مثل تطوير أصناف مقاومة للجفاف، ومشاريع إعادة تأهيل المراعي، وتطبيق الزراعة الحافظة، يمكن أن تُحدث أثراً ملموساً في تقليل الهدر وتحسين الإنتاجية، لكنها تبقى غير كافية دون سياسات وطنية شاملة تدمج بين إدارة المياه والأرض والزراعة في إطار واحد.
وفي المحصلة، فإن مستقبل الأمن المائي والغذائي في سوريا بات مرتبطاً بقدرة الدولة والمجتمع على الانتقال من إدارة الأزمة بمنطق الاستجابة المؤقتة إلى إدارة الموارد بمنطق الاستدامة، لأن استمرار الاتجاهات الحالية يعني أن الجفاف لن يبقى أزمة مناخية عابرة، بل سيتحول إلى واقع بنيوي يعيد تشكيل الاقتصاد والاستقرار السكاني في البلاد.
ميليا اسبر
صحفية
ميليا اسبر: صحفية سورية، خريجة جامعة دمشق، قسم الصحافة، مختصة بكتابة المقالات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية. عملت في صحف ومواقع سورية وعربية متعددة، حائزة على جائزة أفضل تحقيق صحفي في سوريا عام 2017.
لا تتخذ كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ الآراء المعبر عنها هنا هي آراء المؤلف(ين) ولا تعكس بالضرورة آراء كارنيغي أو موظفيها أو أمنائها.
تستضيف مؤسسة كارنيغي السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي في حوارٍ لمناقشة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، محذرًا من أن الحرب على إيران خطأ استراتيجي سيدفع المنطقة والعالم نحو مزيدٍ من التصعيد.
أنجي عمر
من أبطال الأنمي إلى مجتمعات الألعاب الإلكترونية، يبني جيل زيد في المغرب ثقافة احتجاج جديدة، فماذا تكشف هذه المخيلة الرقمية عن السياسة لدى الشباب؟ وكيف ينبغي للمؤسسات أن تتعامل معها؟
عبد الإله فرح
في شرق أوسط متقلب، يقدم ميناء الدقم العماني الاستقرار والحياد والفرص. هل يمكن أن يصبح هذا الميناء الخفي الملاذ الآمن والأمثل للتجارة العالمية؟
جورجيو كافييرو, صموئيل راماني
هل تحمي سياسة الهجرة في المغرب مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، أم تُديرهم بمنطق أمني وسياسي؟ يناقش هذا المقال الثغرات القائمة ويستعرض إمكانيات إدماج أكثر عدلًا وإنصافًا.
سفيان الكمري
السياسة الخارجية للعراق تدفعها الصراعات الداخلية من نخب منقسمة، مليشيات متنافسة، ودولة عاجزة عن توحيد قرارها. تطرح المقالة أسئلة أساسية: كيف تؤثر هذه الانقسامات على قدرة العراق في موازنة النفوذ الأميركي–الإيراني؟ وهل يمكن لنهج "حُسن الجوار" أن يخفّف التوترات الإقليمية؟ وكيف يستطيع العراق تحويل الشراكات والاستثمارات الإقليمية إلى استقرار فعلي؟ وتقدّم المقالة مسارات للحل، أهمها تعزيز مؤسسات الدولة، الحد من نفوذ المليشيات الخارجة عن السيطرة، تحسين الحوكمة، والاستفادة من الشراكات الإقليمية لمعالجة .الأزمات الاقتصادية والأمنية لبناء سياسة خارجية موحدة وثابتة.
مايك فلييت